محمد جواد مغنية
28
عقليات إسلامية
بقي أن نتساءل : ماذا أراد المألهون من قولهم : « ان اللّه لامكان له ، وهو موجود في كل مكان » ألا يدل هذا القول على أن اللّه موجود وغير موجود ؟ ! أليس هذا جمعا بين الشيء ونقيضه ، مع أن اجتماع النقيض محال كارتفاعهما ؟ ! ومن تدبر ما قدمناه من الأدلة على أن اللّه لا يمكن أن يوجد في مكان أدرك ان المراد من وجوده في كل مكان وجود قدرته وعظمته ، وان الأشياء كلها تشهد بوجود خالق الكون ومدبره ، وعليه يكون معنى « وجود اللّه في كل مكان » هو ما عناه الشاعر بقوله : وفي كل شيء له آية * تدل على أنه واحد وبالتالي فإن الدليل على عدم حلول اللّه وتحيزه في مكان خاص يدل بنفسه أيضا على عدم تحيزه في كل مكان إذن ، معنى لامكان له انه غير حالّ في مكان ، ومعنى وجوده في كل مكان ان آثار عظمته وجلاله تملأ كل مكان ، ومع اختلاف الجهة بالسلب أو الايجاب يرتفع التناقض ، كما لو قلت : زيد يكتب بالعربية ، ولا يكتب باللاتينية . من رأى اللّه ؟ ومما قدمنا يتبين معنا ان سؤال « من رأى اللّه » هو تماما كسؤال « من خلق اللّه » أو من رأى ما لا يرى ! إن الذي يرى هو الكائن الطبيعي ، بل إن نوعا من هذا الكائن لا يرى بحال حتى بواسطة المجهر - كالإلكترون وما إليه ، فكيف بمن هو فوق الكائنات الطبيعية ! ان اللّه يرى بالبصيرة لا بالبصر ، ومعنى هذا ان العقل يعلم بوجوده ، لعلمه بأفعاله وصفاته ، أما معرفته بالذات فمحال حتى على العقول النيرة . لذا قال الإمام علي بن أبي طالب : « تكلموا في خلق اللّه ، ولا تكلموا في اللّه . ان التكلم في اللّه لا يزيد صاحبه إلا تحيرا » . لأنه محاولة للمحال .